التعليم عن بٌعد وتدريس العلوم بقلم: إيان مجريدج Ian Mugridge سنة الأخيرة. وقد انتقل التعليم عن بٌعد خلال تلك الفترة من مكانة هامشية إلى مركز مرموق في كثير من النظم التعليمية، وتميز بقدر كبير من التنوع في الممارسات. وينطبق هذا بوجه خاص على حالة تدريس العلوم التي تعتبر مثالا للتحديات والفرص غير العادية. في مجموعة من المقالات صدرت مؤخرا حول التعليم عن بعد في الولايات المتحدة، أشير إلى التعليم عن بعد على انه "قديم وإن كان يعتبر حاليا مجالا للممارسة على قدر كبير من التطور" . ثم وصف بعد ذلك بأنه "محفوف بمفارقة ملحوظة – فعلى الرغم من انه أكد وجوده إلا انه غير قادر على تحديد هويته". إن لكل من التعليقين السابقين ما يبرره؛ بل أن التعليق الثاني على وجه الخصوص هو الذي تعلم من يصفون أنفسهم بأنهم معلمون على البعد أن يتقبلوه. على أن كلا التعليقين يمثل مشكلات لكاتب أي مقال يحاول – كما سيفعل كاتب هذا المقال – أن يعطي مقدمة عامة حول هذا الموضوع لقراء هم في اغلب الأحوال غير ملمين به. إن جانبا من سبب غياب تعريف جاهز ومقبول على نطاق واسع للتعليم عن بعد يكمن في التعليق الأول المذكور آنفا. فمنذ نحو خمسين عاما تقريبا عندما عقد المجلس الدولي للتعليم بالمراسلة (ICCE) مؤتمره التأسيسي في فيكتوريا بكولومبيا البريطانية، فإن أولئك الذين حضروا – ومن المحتمل أيضا طلابهم والمسئولون عن تمويل مؤسساتهم – كانوا يعرفون عم يتحدثون. ولقد كانت فكرة التعليم بالمراسلة الشائعة أو المعروفة على الأقل في بلاد مثل المملكة المتحدة، وكندا، واستراليا، وغيرها واضحة منذ نهاية القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين: فقد كان الطلاب يتلقون مواد مطبوعة بالبريد، يدرسونها ويقومون بحل الواجبات والمهام المطلوبة منهم، ثم يعيدونها مرة أخرى إلى المعلمين لتصميمها ووضع الدرجات عليها ثم إعادتها في النهاية إليهم. وعندما التقي أعضاء المؤتمر السابق (ICCE) مرة أخرى في كولومبيا البريطانية بعد نحو خمس وعشرين سنة، فإن أسم المؤتمر تغير ليصبح المجلس الدولي للتعليم عن بعد (ICDE). على أن الحاضرين الذين اشتركوا في مناقشة تغيير اسم المؤتمر لم يكونوا واثقين تماما من الموضوع الذي يتناولونه. لقد كانوا متأكدين أن التعليم بالمراسلة لم يعد مصطلحاً دقيقاً بما فيه الكفاية، ليصف مجالاً حقق تقدما تجاوز مجرد التبادل البسيط للمواد والتعليقات بالبريد. فقد كان الاستخدام المتعاظم للوسائل الإلكترونية كالراديو، والتليفزيون، وشرائط الكاسيت والفيديو، وأجهزة الكمبيوتر، مع مواد وأجهزة الطباعة المتقدمة والاتصالات التليفونية، كافياً لبيان أن استخدام مصطلح المراسلة ليس كافيا. وفي الوقت نفسه، أخذت الدراسة الجادة لهذا المجال في النمو، وبلغ من تقديرات المؤتمر (ICDE) إن ما يقرب من عشرة ملايين طالب في جميع أنحاء العالم مرتبطون بالتعليم عن بعد؛ وأصبح من الواضح للكثيرين أن هذا الأمر لم يعد نشاطا هامشياً على الإطلاق في كثير من النظم التعليمية. وكانت كليات التربية قد بدأت في تقديم مقررات في نظرية التربية وتطبيقاتها على كل من المستوى الجامعي ومستوى الدراسات العليا. وعلاوة على ذلك، أصبح للتعليم عن بٌعد دورياته الخاصة به: فقد بدأ إصدار مجلة " التعليم عن بعد "Distance Education" عام 1980 في استراليا، في الوقت الذي كانت مجلة " الرسائل التعليمية " عام 1963 ومجلة "التدريس عن بٌعد" عام 1974 قد استقرتا في أوروبا. ولقد ضم العدد الأول من مجلة " التعليم عن بعد " مقالة مطولة بعنوان " حول تعريف التعليم عن بعد "، وفيها تلخيص للتفكير السابق حول الموضوع ومحاولة لوضع تعريف شامل له. على أن أحد نتائج هذا النشاط هو المناقشات المطولة وإن تكن عديمة الفائدة حول ما إذا كان من الواجب اعتبار التعليم عن بعد كفرع مستقل من العلم. وعندما بدأ نشاط مؤتمر (ICDE) عام 1982، فإن الجدل حول التعريفات كان مستمرا بشكل ثابت. ولقد زاد الرقم التقريبي للملايين العشرة من الطلاب بشكل هائل في السنين العشرة الأخيرة، وهى الفترة التي شهدت – كما سنرى بعد قليل – ظهور الكثير من مؤسسات التعليم عن بعد. وقد دام البحث عن تعريف لهذا التعليم جنبا إلى جنب مع الزيادة المطردة للطلاب، حيث عكف الطلاب والممارسون – الذين يتعاملون مع مشكلات نمط جديد دائم التطور من التعليم الذي لا يتوافر له إلا نماذج قليلة – على محاولة اختفاء معنى على العالم الذي يعملون فيه، على أنني لا أنوي إدخال القارئ في هذا الجدل الذي لم يصل إلى نتيجة، والذي قد يعتبره البعض ذا قيمة مشكوك فيها. وقد يكون من الأفضل أن نستقر ببساطة على تعريف أساسي، ونقول بان التعليم عن بعد إنما هو نوع من التعليم الذي تفصل المعلم عن الطالب فيه مسافة، وعلى هذا فهو التعليم الذي تستخدم فيه وسائل أخرى، مثل الكلمة المطبوعة والمكتوبة، والتليفون، والمؤتمرات الكمبيوترية، أو المؤتمرات على البعد – لتخطى الفجوة المادية بينها. ولعل السبب في الجدل المستفيض حول التعريف، يبين انه لا يمكن – وقد يتحفظ بعضنا ويدعى انه لا يجب - أن يكون هناك تعريف واحد شامل. وقد يمكن القول بأنه خلافا لما اصطلح معلمو التعليم عن بعد على تسميته " بالتعليم التقليدي " فإنه لا يوجد نموذج منفرد يمكن تطبيقه على كل أو حتى الكثير من المواقف. وعلى الرغم من أن نموذج التعليم الجامعي قد يعدل ليفي بالمطالب المحلية والمتغيرة، إلا انه بقي غالبا كما هو في جميع أنحاء العالم. أما التعليم عن بعد فلا يمكن أن يقال عنه نفس الشيء…. وفي النهاية، فإن من الممكن القول بان التعليم عن بعد – بالنسبة لجميع الأغراض العملية – هو كما أري أنا كممارس له مستشهدا بالفقرة التي ذكرت سابقا في هذا النص، لكي أرد على سؤال هل هذا تعليم عن بعد؟ " يمكن أن تكون الإجابة ببساطة " وهل هذا يهم؟ وقد امتزج الجدل حول التعريفات أيضا بمناقشة جديدة نسبية حول موضوع التعليم المفتوح، وكيف تتقابل فكرتي التعليم المفتوح والتعليم عن بعد….. ومرة أخرى يمكننا أن نستقر على تعريف بسيط وهو: يرتبط التعليم المفتوح بمقولة أن الطالب لابد وان يكون قادرا على تعلم كيف، ومتى، وأين، وبأية معدلات يريدونها، وأن، على المؤسسات التعليمية أن تستخدم كل ما يتوافر لديها من الوسائل لتحقيق ذلك، موظفة تنوعا كبيرا من طرق التدريس الممتزجة بشكل صحيح مع التكنولوجيات الحديثة. وبهذه الصياغة يصبح التعليم عن بعد ببساطة أحد الوسائل ضمن كم هائل من الطرق التعليمية التي صممت لتساعد الطالب على تحقيق ما يصبو إليه من أهداف. ولنعد مع ذلك إلى موضوع نماذج التعليم عن بعد – ومن ثم إلى موضوع التعريف ولو على نحو هامشي – وهو من الأمور التي تصبح واضحة عند التعامل مع المدرسين والإداريين الذين ينتمون إلى مؤسسات أخرى، وكذلك عند الاستماع إلى بحوث تلقى – على سبيل المثال – في مؤتمرات (ICDE) التعليم عن بعد، حيث يتولد الشعور بان النماذج التي ثبت فعاليتها في منطقة أو بلد ما، ليست بالضرورة واجبة النقل إلى أماكن أخرى حتى وإن كانت تبدو متشابهة. ولابد أن يكون واضحا. مثلا – انه إذا كان هناك معهد مسئول عن تقديم مستوى جامعي من التعليم في منطقة صغيرة ومزدحمة بالسكان، وبها وسائل اتصالات متطورة وخدمات تعليمية (مثل الجامعة البريطانية المفتوحة BOU)، فقد يكون مضطرا للعمل بشكل يختلف تماما عن معهد آخر مكلف بتقديم برامج للحصول على درجات وبرامج أخرى في مجال التعليم الأساسي للكبار، والتعليم المهني والفني، والتعليم المتواصل في منطقة كبيرة وذات كثافة منخفضة للسكان، واتصالاتها ضعيفة نسبيا أو لخدمات تعليمية متاحة لعدد كبير من الناس (مثل وكالة كولومبيا البريطانية للتعليم المفتوح – BOU المفتوحة – على سبيل المثال – حيث يستوعب مركزان سكانيان يقعان في نفس المنطقة نحو ثلثي عدد السكان المنخفض بالفعل، بينما تنتشر البقية الباقية – وهى تقترب من المليون – فوق رقعة تزيد مساحتها على ثلاثمائة وخمسين آلف ميل مربع. وقد يقال نفس الشيء – ولكن بصورة اقل صرامة – حول اغلب مؤسسات التعليم عن بعد . وقد شهدت السبعينات والثمانينات إنشاء وتطوير عدد من المؤسسات ذات الأحجام والتركيب غير المسبوق، حيث أن الحكومة القومية وخاصة في الدول النامية، حاولت أن تمسك بتلابيب المشكلات المتفاقمة الناشئة عن عدم توفير فرص التعليم للأعداد الكبيرة من المواطنين بأكبر سرعة ممكنة وبأقل النفقات، في محاولة لتضيق الهوة بين الموارد والحاجات وهكذا نمت مؤسسات تقدم مختلف البرامج عن بعد وبأشكال متنوعة لأعداد هائلة، وسوف نوضح هذه ببعض الأمثلة. إن أكبر تلك المؤسسات على الإطلاق هو جامعة الإذاعة والتليفزيون المركزية (CRTVU) في جمهورية الصين الشعبية، والتي توفر، كما يدل على ذلك اسمها، المقررات من خلال وسائل الإعلام الإلكترونية على نطاق واسع لما يزيد عن مليون طالب، يتجمعون في فصول دراسية على امتداد البلاد. ولابد أن نضيف هنا أن نفس العدد تقريبا من الطلاب يتلقون تعليمهم بطرق مشابهة في إطار المدرسة المركزية الإذاعية للزراعة. (CABS) ، والتي تقع في بيجنج، بينما تتبعها كليات شبه مستقلة في المقاطعات ومع أنه لا توجد دولة أخرى تقدم فرصا تعليمية لهذه الأعداد الهائلة من البشر، إلا أن هناك أماكن ذات أحجام – هي في حد ذاتها – هائلة ومنها: جامعة سوخوتاى ثاماثيرات المفتوحة (STOU) في بانكوك وينتمي إليها ما يزيد على نصف مليون طالب في كل أنحاء تايلاند، وجامعة أنديرا غاندي الوطنية المفتوحة (IGNOU) في نيودلهي وبها نحو مائتي آلف طالب، وجامعة تيريوك (UT) وهى الجامعة المفتوحة في إندونيسيا وبها نفس العدد تقريبا . وقد تأسست كل هذه الجامعات في الثمانينات بواسطة الحكومات الوطنية التواقة إلى توفير فرص للتعليم واسعة النطاق في أسرع وقت ممكن، والى تضييق الفجوات الصارخة التي نشأت في نظم التعليم العالي (بعد المدرسة الثانوية)، والى محاولة توفير التعليم وإعادة التعليم بتكاليف منخفضة وفي وقت قصير للأعداد الهائلة من المواطنين. وهذه الأهداف شائعة عند افتتاح هذا النوع من المعاهد التي ذكرت آنفا ومعاهد أخرى في العالم النامي و يعد هذا ملمحا هاما للمؤسسات الأحدث والخاصة بالتعليم عن بعد، وهى أنها جميعا – بلا استثناء – مكلفة بشيء من هذا القبيل. والمؤسسات الجديدة في الدول النامية أيضا، موجهة لملء الثغرات، وتقديم الخدمة إلى مجموعات حرمت من الالتحاق بنظم التعليم القائم. وهذا هو الحال في كندا التي لديها الآن ثلاث مؤسسات للتعليم عن بعد على مستوى التعليم الذي يلي الثانوي. وكل من هذه المؤسسات يتعامل على نطاق واسع مع مواطنين ليسوا مجرد معزولين جغرافيا واجتماعيا، ولكنهم محرومين أيضا من الالتحاق بالبرامج الجامعية لأسباب أخرى, ونفس الشيء يحدث في استراليا ولأسباب تشبه تلك التي في كندا، حيث للتعليم المفتوح تاريخ طويل ومتشعب. وقد أنشي هناك عدد من المؤسسات وخاصة الجامعتان اللتان يطلق عليهما جامعات الوظيفة المزدوجة وهما جامعة ديكن وجامعة مردوخ. كما أن هناك مراكز حكومية للتعليم عن بعد وذلك لسد الثغرات الموجودة في النظام الحالي. على انه بالرغم من تشابه التوجهات، فإن الانطباع السائد الذي يمكن الخروج به من استطلاع أنشطة مؤسسات التعليم عن بعد في جميع أنحاء العالم، هو في الطريقة التي وجدت بها – بعيدا عن اعتبار مجموعة من النماذج وتطبيقها على عدد من المواقف والمؤسسات المختلفة – أو تطورت من المؤسسات القائمة بالفعل – بحيث أن تلك المؤسسات درست تكليفاتها وظروفها ومواردها ثم أقامت الهيئات التي تعكس تلك العوامل. إن التطور الذي حدث للتعليم عن بعد في العشرين سنة الأخيرة أو نحوها، هو بتعبير آخر بحث عملي عما يناسب الظروف الفردية لكل مؤسسة. إن هذا لا يعنى بالطبع، انه لم يكن هناك قدر كبير من الاستعارة والتقليد الذي كانت المؤسسات الجديدة تقوم به عند استطلاعها لتجارب السالفين، فهناك على سبيل المثال من يصر على أن اكبر إسهام للجامعة البريطانية المفتوحة في تطوير التعليم المفتوح، هو التركيز الذي استعير على نطاق واسع على الفريق القائم على مقرر ما كوسيلة لتطوير محتويات المقرر. وقد يكون هذا أو لا يكون هو واقع الحال، ولكن النقطة الواجب التأكيد عليها هي انه على الرغم من أن الفكرة مستخدمة على نطاق واسع حول العالم إلا أنها غالبا يصاحبها دائما تعديلات جوهرية تعكس الوضع الفريد للمؤسسة التي تستخدمها. ويشاهد هذا التنوع أيضا في الطرق التي تدرسها المؤسسات بالفعل. ولقد نوهنا بالفعل عن مثال الاختلاف في الأسلوب الذي تمليه الظروف كالذي في حالة جامعة (BOU) و (OLA) ، وتتجلى هذه الاختلافات في كل نشاط تقريبا. وينتج هذا الاختلاف ببساطة من التباين في الحجم من حيث العدد أو الجغرافيا أو كلاهما، ولكنه كثيرا ما يكون ناشئا عن التباين في الموارد الأساسية. وهناك جدل كبير ببن القائمين على التعليم عن بعد حول فائدة وقيمة المراكز التعليمية، وأحيانا تختلط المناقشة لأن التعبير كثيرا ما يعنى أشياء مختلفة عند مختلف الأشخاص. ونماذج تلك المراكز هي في كثير من المظاهر تلك التي أنشأتها جامعة (BOU) ، وإن كانت مؤسسات اكبر بكثير مثل جامعة IG- UT, NOU, STOU تستخدم هي الأخرى مراكز التعليم على نطاق واسع. وفي الحالات الأخيرة فإنها كثيرا ما تكون ناشئة عن نظم الاتصالات غير الموثوق بها، وعن الحاجة إلى التعامل مع أعداد كبيرة جدا، ومن مشكلة توفير الدعم المحلي للطلاب. وهكذا فإن مهام تلك النظم وتعقدها غالبا ما تكون متباينة جدا. ومرة أخرى فإن مثل هذه الاعتبارات تنطبق على المهام التعليمية للمؤسسات. وهنا فإن الطريقة الفعلية للتدريس تتحدد عادة باستطلاع الأمر بإنشاء المؤسسة وظروفها، فيما يتعلق بالموارد المتاحة لها، والمثال على ذلك قد يكون المؤسسة التي اعمل بها شخصيا وهى معهد التعليم المفتوح (OLI) ، فقد كان يضع البرامج وطرق تقديمها للطلاب عامي 1979 و 1980 . ومقاطعة كولومبيا البريطانية تبلغ مساحتها ما يزيد على 350 آلف ميل مربع، بينما يقطنها ثلاثة ملايين نسمة يعيش معظمهم في ركن واحد من المقاطعة، بينما يتناثر الباقون في مسافة هائلة، توصف ظروفها الجغرافية والمناخية بالصعوبة. وتنص تعليمات هذه الجامعة على وضع برامج يمكن تقديمها لأي إنسان في المقاطعة . ونظرا للموارد المحدودة، فإن ذلك أدي إلى تطوير نظام للتلقي يعتمد على استخدام المواد المطبوعة على نطاق واسع (لقد كان التليفزيون في البداية باهظا ولم يكن متاحا لقطاعات عريضة)، وكذلك استخدام التليفون، ونظرا لان هاتين الوسيلتين يمكن أن تلبيا الاحتياجات المتنوعة. إن هذا ببساطة – هي المعضلة التي تواجهها كل مؤسسات التعليم عن بعد الجديدة، عندما تحاول مواجهة التكيفات المستحيلة المنوطة بها في إطار الأعباء الجغرافية، والسكانية، والاجتماعية، والاقتصادية الملقاة على عاتقها. بعد الاستقرار على نظام العمل، فإن معضلة أخرى كمبدأ في مواجهة الهيئات عند نقطة معينة – ألا وهى أفضل الطرق للاستفادة من الأساليب الجديدة للعمل ، وهو تحدى دائم للقائمين على التعليم عن بعد، في ظل الاعتراض الأزلي، " ولكننا لا نؤدي العمل بهذه الطريقة هنا ". ففي أنحاء كثيرة من العالم وخاصة في البلاد النامية، فإن التكنولوجيات الحديثة تقوم (أو على الأقل لديها الأن) بثورة في أساليب الممارسة في هذا المجال. ومعنى هذا أن هذا النوع من التعليم قد يكون أسرع تغيراً من أي شكل آخر من أشكال التعليم. ومرة أخرى – ولو من الناحية النظرية – فإن الحدود بين ما نسميه التعليم عن بعد والتعليم التقليدي تأخذ في التلاشي، بحيث أنها ستختفي تماما في القريب العاجل. ولعل هذا الأمر يتجلى أكثر ما يمكن في حالة تدريس العلوم. إن اغلب القائمين على التعليم عن بعد يدركون أن واحدا من الأساليب التي مهدت بها جامعة BOU) (الأرض للبشر والمؤسسات التي جاءت بعدها، هو أن تدريسها في بداية السبعينات كان أول محاول شاملة للتدريس عن بعد باستخدام مزيج من انسب وسائل الإعلام المتاحة. أي أن جامعة BOU) الجامعة البريطانية المفتوحة) هي أول مؤسسة تحاول أن تجمع بين مختلف الطرق – الطباعة، والتليفزيون وشرائط الكاسيت، والكمبيوتر، وتقديم المعلومات وجهاً لوجه... إلخ – في برنامج تعليمي واحد يؤدى على قدر الإمكان إلى الوفاء باحتياجات الطلاب. وفي محاولة لتنفيذ هذا، شكل تدريس العلوم بعض العقبات الخاصة التي لا توجد في حالة تدريس الفروع الأخرى للمعرفة. وتكمن هذه المشكلات في أن هناك حاجة لا يمكن إنكارها في أن يتلقي الطلاب دروسا عملية أو خبرة عملية على الأقل تقرب إليهم الخبرة المعملية، لذا فإن جامعة (BOU) لجأت إلى استشارة كل الجامعات ذات التعليم الشامل عن بعد. وفي وجود التأكيدات التي أشرنا إليها هنا على مدى التنوع في الحلول المحلية للمشكلات القومية، فإن القارئ لابد أن يتوقع أن يعرف ماذا تم في هذه المشكلة، لان حل هذه المشكلة الخاصة قد اتخذ أيضا عددا من الصور. لقد حلت جامعة (BOU) المشكلة بوضع ما يعرف الآن بنظام مجموعة التجارب المنزلية، التي يتسلم الطالب من خلاله – على الأقل في المستوى الأولى – أحيانا طرودا كبيرة من المعدات والأجهزة والمواد، تمكنه من إجراء كل أو بعض التجارب العملية بالمنزل. ومرة أخرى فإنه بالنسبة لهذه المؤسسة بالذات، كان هذا الحل مبتكرا وناجحا لدرجة كبيرة، بحيث أتاح للطلاب الانتقال إلى مستويات متقدمة من العمل الذي يمكن أجراؤه في معامل الكليات أو الجامعة. على أن فقرة " لهذه المؤسسة بالذات " في الجملة السابقة مهمة جدا: فليس هذا الحل قابلا للتطبيق في كل مكان. لقد تغلبت المؤسسات على تلك المشكلة بعدم تدريس العلوم التجريبية على الإطلاق. ولقد قيل أن ما هو أكثر أهمية لطلاب التعليم عن بعد – وهم عادة اكبر سنا من طلاب التعليم التقليدي – هو جعلهم ملمين بالعلوم، بحيث يمكنهم استيعاب القضايا والموضوعات الناجمة عن التطور العلمي والتكنولوجي وأثره على المجتمع. ولذلك كان ينص أحيانا على مقررات حول العلوم. وليس على مقررات في العلوم البحتة. وتعتبر سلسلة المقررات بجامعة ديكن حول العلم والمجتمع والتي عدل معظمها ليستخدم في كولومبيا البريطانية، مثالا طيبا على مجموعة المقررات التي استخدمت لمساعدي الكبار على الإلمام بكثير من المشكلات العلمية والتكنولوجية التي تواجههم. كما حاولت معاهد أخرى إمداد طلابها بكلا النوعين من التعليم ، ومثال المعهد الذي انتمى إليه وهو جامعة كولومبيا البريطانية المفتوحة (BCOU) ، وهى جزء من وكالة التعليم المفتوح (OLA) يعتبر خطوة رائدة في هذا الصدد. ولقد كان أوضح نموذج لتدريس العلوم عام 1979، هو نموذج جامعة (BOU) الذي كانت مواد مقرراته وخاصة مقرر البيولوجيا الذي قررنا أن نبدأ به تدريس العلوم – متاحة لنا. على أن الصعوبات العملية المصاحبة لأسلوب استخدام نفس مجموعة التجارب لجميع الطلاب، كبيرة وقد بدت التكاليف – من حيث المبدأ – فاحشة، وحتى لو لم يكن هذا سببا كافيا، فإن مسالة إرسال معدات قيمة على متن طائرة إلى مستوطنات ساحلية بعيدة، جعلتنا نتقاعس عن الإقدام على تلك المجازفة. وقد أصبح حل هذه المشكلة يتمثل في السماح لنا باستغلال أقصي ما يمكن من الموارد المتاحة وخدمة اكبر عدد من الطلاب. وقد عمدنا إلى تقييم المقررات بدقة إلى عناصر نظرية وأخري عملية، مما سمح بتناول أي منها مستقلا عن الآخر عند الضرورة. وعندئذ كان على الطلاب الذين يرغبون في دراسة الجانب العملي أن يحضروا دروسا عملية مكثفة في نهاية الأسبوع في إحدى كليات المقاطعة، أما الطلاب الراغبين في عمل ذلك ويقيمون على مسافات اكبر من أن تسمح لهم بالوصول إلى الكليات، فإنهم كانوا يتلقون دعما حتى يتمكنوا من ذلك، وكما هو الحال في جميع مقررات جامعة (BCOU) ، فإن المقررات العلمية لابد أن يتم التصديق عليها من قبل أعضاء هيئة التدريس ذوى المكانة بالكليات التابعة لأحد المؤسسات التقليدية، للتأكد من أن التدريس طبقا لهذه الأساليب قد وصل إلى المستويات المطلوبة للحصول على تصريح بالانتقال إلى أحد تلك المؤسسات. وهكذا – وبدء من البيولوجيا ومرورا بالكيمياء ، والفيزياء، استطاعت هذا الطريقة لتدريس المقررات العملية أن تمكن جامعة (BCOU) من التعامل مع ذلك العدد الضئيل من الطلاب الذين يرغبون في دراسة تلك الموضوعات، وان ينتقلوا بعد ذلك إلى عمل متقدم في إحدى المؤسسات (المعاهد) التقليدية، وعلاوة على ذلك، سمحت للطلاب الراغبين في الحصول على المعرفة العلمية الأساسية من خلال مقرران تمهيدية، أن يحققوا ذلك وأن يكون لديهم بذلك أساس متين لمقررات لاحقة في ساق العلم والمجتمع. وهناك مثال آخر عن تجربة مختلفة تماما لطريقة تدريس العلوم تمت في إندونيسيا، حيث اتبعت جامعة (UT) أسلوب جامعة (BOU) في استخدام مجموعات التجارب – دون أن يكون لديها رفاهية اختيار المقررات التي ستدرسها – وإن كانت قد أدخلت تغييرا مهما. وقد أوضحت دراسة مبكرة حول التكلفة الأساسية لمجتمعات التجارب كالتي استخدمت في (BCOU) ، أنها ستكون فاحشة الثمن, على أن الاختيار الحقيقي كان بين آمرين، وهما أما استخدام نوع ما من مجموعات التجارب، وإما – نظرا لصعوبة إنشاء واستخدام المعامل – عدم تدريس العلوم على الإطلاق، وهو آمر غير ممكن . وقد استخدمت جامعة (UT) عندئذ اكبر العلماء البارزين في الدولة – الذين تعني إجازتهم للمشروع انه مقبول بالتأكيد – ليقوموا بتصميم مجموعة من التجارب تتيح للطلاب أن ينجزوا شيئين. فهو سيقدم لهم بطبيعة الحال ما يكافئ الخبرة المعملية المطلوبة. كما أنهم سيتعلمون بعض المهارات العملية – إلى درجة كبيرة – وذلك عن طريق بناء معداتهم وأجهزتهم بأنفسهم ، باستخدام مواد جاهزة تحت تصرفهم. وتشمل هذه المواد عناصر مثل الجامبو أو الخيزران المقطوع من اقرب شجرة، وأنواع معينة من زجاجات "الكتشب" البلاستيكية الفارغة. وقد أخذت هذه الطرق في التطور مع الزمن – حيث أصبح يتوافر عدد من الأجهزة التي تتضمن قياسات دقيقة جدا، بينما تضاءلت كمية المواد الخام التي كان على الطلاب جمعها بأنفسهم، وإن كان المقصد لازال كما هو. حيث يقوم الطلاب بنجاح ببناء واستخدام الكثير من أجهزة المعامل الخاصة بهم. ومن الجدير بالذكر أيضا، انه باستخدام هذا المنهج في تدريب المعلمين، فإن جانبا كبيرا من تكليفات جامعة (UT) ، والتقنيات التي اكتسبت من خلال المقررات العلمية لجامعة (UT) قد انتقلت إلى كثير من المدارس. ولعل التباين في التعليم بين الدول المتقدمة والدول النامية لا يظهر جليا مثلما في حالة تدريس العلوم عن بعد. إن قائمة التكنولوجيا الحالية والمستجدة والمتاحة للمعلمين عن بعد في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وكثير من بلدان أوروبا مثلا، ستعمل باطراد على حدوث تحولات في تدريس العلوم – كما سيحدث في موضوعات أخرى كثيرة فالجامعة التكنولوجية الوطنية – مثلا – والتي مقرها فورت كولينز في كولورادو، تستخدم من موقعها ذاك خبرات من اغلب المعاهد الهندسية الرئيسية في الولايات المتحدة، لتقديم تعليم جامعي وتعليم عالي بواسطة وسائل تعليمية إلكترونية للمهندسين عبر البلاد بآسرها. ويبين مثل هذا المعهد إمكانيات هذا النوع من التعليم، كما يشير إلى السبيل نحو التغيرات الرئيسية التي – في بعض الحالات – قد قدمت بالفعل الوسائل الكفيلة بعمل محاكاة للخبرات المعملية من خلال الاستخدام الخلاق للكمبيوتر. على أن فرصة استخدام مثل هذه الوسائل لم تتيسر بعد في كثير من الدول النامية. وبينما وضعت بعض المؤسسات برامج تعليمية ناجحة للكمبيوتر، إلا أن هذا غير عادى، ولا زال المدى الذي يستطيع كثير من المعاهد الاستفادة فيه من التكنولوجيات المتطورة محدودة للغاية. إن نوعية الإبداع التي أظهرتها جامعة (UT) كفيلة بالتعويض عن بعض من هذا، على أن المشكلة تظل متجسمة في أيجاد طرق لاستخدام التكنولوجيات بشكل صحيح، ثم وبعد تخطى هذا ـ تسهيل انتقال تلك التكنولوجيات إلى البلاد التي تبلغ فيها الحاجة إليها أوجها. *******تنــوع المناهــج
تعليم العلوم عن بٌعد
.
.
الجمعة, 31 مارس, 2006
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.



