التربية البيئية Environmental Education:
في الربع الأخير من القرن العشرين ، أصبح الرأي العام شديد التحسس لمشكلات البيئة ، وكان من نتيجة الصدى الذي عكسته التربية البيئية بشتى مستوياتها من المرجعية وحتى الجماهيرية ، أن أصبح الرأي العام يفهم أهمية هذه التربية وخطورتها وشدة إلحاحها في عالمنا الحاضر (سعيد الحفار وكمال عرفات ، 1998) . ولقد بدأ الاهتمام بالتربية البيئية كركيزة أساسية في العملية التعليمية ، في السنوات
العشر الأخيرة ، ومن المنتظر أن تحتل التربية البيئية مكانة هامة في السنوات القادمة نتيجة لتزايد السكان وزيادة المخلفات والتقدم التكنولوجي وزحف الصحاري .
والتربية البيئية كمفهوم جديد لم يتبلور إلا بعد مؤتمر ستوكهولم ( يونيو 1972 ) غير أن جذورها الفكرية قديمة ، ولقد كان الاهتمام موجهاً قبل ذلك بكثير للدراسات البيئية ( إبراهيم مطاوع ، 1995) .
مفهوم التربية البيئية :
تعددت الآراء في معنى التربية البيئية ومدلولها ، وذلك بتعدد مدلول العملية التربوية وأهدافها من جهة ، ومدلول البيئة من جهة أخرى . فقد يرى بعض المربين أن دراسة البيئة في حد ذاتها ضمان لتحقيق تربية بيئية ، في حين يرى البعض الأخر أن التربية البيئية أشمل من ذلك وأعمق فهي تواجه طموحاً أكثر من ذلك يتمثل في جانبين هما : إيقاظ الوعي الناقد للعوامل الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية الكامنة في جذور المشكلات البيئية ، وتنمية القيم الأخلاقية التي تحسن من طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة . وقد نوقش مفهوم التربية البيئية في العديد من المؤتمرات والاجتماعات الدولية والإقليمية والمحلية ، واختلفت الآراء في بعض جزئيات هذا المفهوم ، فيعرفها
صابر سليم (1999) أنها " العملية المنظمة لتكوين القيم والاتجاهات والمهارات اللازمة لفهم العلاقات المعقدة التي تربط الإنسان وحضارته بالبيئة ولاتخاذ القرارات المناسبة المتصلة بنوعية وحل المشكلات القائمة والعمل على منح ظهور مشكلات جديدة " . ( صابر سليم ، 1999) ويرى آخرون أنها " تربية تسعى إلى مساعدة المتعلم ـ مهما كان عمره ـ لتنمية الوعي والمعرفة . والالتزام الذي يؤدي إلى اتخاذ قرارات سليمة ، وتصرفات مسئوله ، وأعمال إيجابية بنّاءة تجاه البيئة والحياة الفطرية التي تعتمد عليها حياتنا " ( سعيد الحفار وكمال عرفات ، 1998) . وهو ما يعني تربية الإنسان تربية بيئية وبناء عقله ووجدانه وسلوكه ، وعندئذ سيكون قادراً ومقتنعاً وممارساً للسلوك البيئي المرغوب فيه ، مما ينعكس في النهاية على البيئة بمختلف مظاهر الحياة فيها ، فالتربية البيئية مدخل هام لترشيد سلوك الإنسان نحو البيئة ومواردها ، ومن ثم فلم يعد هذا الأمر ترفاً أو أمراً شكلياً ، ولهذا تهتم به الدول المتقدمة والنامية على السواء إدراكاً منها أن الدور الحقيقي نحو البيئة لن يتحقق إلا من قبل الإنسان القادر والواعي بخطورة ما تتعرض له بيئته ، موطنه الذي يعيش فيه وستعيش فيه أجيال كثيرة تالية (صابر سليم ، 1990) . ويقتضي الحديث عن التربية البيئية ، التعرض لأنسب مداخل تقديم التربية البيئية في مرحلة التعليم الجامعي فقد اتفقت معظم الآراء على أن المدخل المستقل يعد من أفضل المداخل لتقديم التربية في هذه المرحلة ، فهذا المدخل يعني تقديم التربية البيئية كمنهج مستقل قائم بذاته ويطلق عليه أيضاً المدخل الأحادي والمدخل المتكامل ، وفي هذا المدخل تستمد التربية البيئية محتواها العلمي ومادتها من فروع العلم المختلفة ، ويتيح هذا المدخل الفرصة للمتعلمين للتعمق بصورة كبيرة .
مع الاهتمام بالتربية البيئية للقطاعات الكبرى من المجتمع لمدهم بالمفاهيم والمبادئ والمهارات والاتجاهات التي تؤثر في سلوكهم في مواقف الحياة المختلفة فإن هناك حاجة ماسة إلى إعداد الأخصائيين الذين يتخذون القرارات المؤثرة على البيئة إما سلباً أو إيجاباً وبصفة خاصة في مجال التعليم (صابر سليم ،1998) .
ويعتبر المعلم بأدائه المتنوع والمتعدد الجوانب عاملاً أساسياً في نجاح التربية البيئية وتحقيقها لأهدافها ، ولهذا تعتبر الحاجة إلى المعلمين الأكفاء وإلى برامج فعالة لتدريبهم والارتفاع بمستواهم موضع اهتمام ورعاية كل المشتركين من المؤتمرات القومية والعالمية . ( سعيد السعيد ، 1993) .
من هنا كان الاهتمام بشكل مقصود بأهمية التربية البيئية في برامج إعداد المعلم بدرجة تحقق التنور البيئي لدى المعلم بشتى أبعاده المعرفية والمهارية والوجدانية والتنور يستهدف توضيح المشكلات البيئية وكيفية التعامل معها واقتراح حلول لها والمشاركة في حلها .
التنور البيئي ( مفهومه ، وعناصره ) Environmental Literacy:
في مقالته عن التنور البيئي ( E.L ) Literacy Environmental قدم Disiner (1992) محاولة لتحديد المقصود بالتنور البيئي ،حيث اعتبر أن أحد أهم غايات التربية البيئية تتمثل في إعداد المواطن المتنور بيئياً ، وقد شرع في تحديد المفهوم من خلال دراسته للعلاقة بين التنور البيئي والتربية البيئية وتوضيح الصلة بين التنور البيئي والتطبيقات الأخرى للتنور ، إلي جانب تحديد مستويات التنور البيئي (isiner ,1992 D) .
في حين عرض David (1974) تصوره عن مفهوم التنور البيئي بأنه يتضمن استخدام ما لدى الأفراد من وعى في بحث وتتبع أسباب المشكلات البيئية والعمل علي تجريب واختبار البدائل المتعددة لحل هذه المشكلات . ( David,1974 ) .
أما Roth (1992) فيرى أن التنور البيئي عملية يتم من خلالها إعداد مواطن لديه القدرة على ضبط الذات والبعد عن السلوكيات غير المرغوبة بيئياً ( Roth,1992 ) .
وفي الأدبيات العربية استخدم عبدالمنعم حسين (1990) مصطلح الثقافة البيئية مرادفاً للتنور البيئي وعرفها بأنها : " عملية اكتساب الفرد للمكونات المعرفية والانفعالية والسلوكية من خلال تفاعله المستمر مع بيئته والتي تسهم في تشكيل سلوك جيد يجعل الفرد قادراً على التفاعل الجيد مع البيئة ، ويكون قادراً على نقل هذا السلوك للآخرين من حوله " . ( عبدالمنعم حسين ، 1990 ) ، بينما حدد فايز عبده وأبو السعود محمد ( 1993 ) تعريفاً إجرائياً للتنور البيئي بأنه " العملية التربوية التي يتم عن طريقها إعداد الطالب للمواطنة على أن يكون لديه فهم واسع بقضايا البيئة ومشكلاتها وأن يكون مؤمناً بالدور الذي يقدمه العلم والتكنولوجيا في حل المشكلات البيئية ، ولديه اتجاهات إيجابية وسلوكية سوية تسهم في التعامل السوي مع عناصر البيئة ومشكلاتها بالشكل الذي يفيد الجيل الحالي ولا يضر بالأجيال المقبلة ".
( فايز عبده ، وأبو السعود محمد ، 1993 ) ، وفي دراسة لسيد السايح ( 1994) لقياس مستوى التنور البيئي لدى طلاب كلية التربية النوعية ، صاغ تعريفاً إجرائياً للتنور البيئي يتمثل في " إلمام الطالب / المعلم بقدر مناسب من المفاهيم والمعلومات البيئية والاتجاهات الإيجابية نحو البيئة ومهارات حل المشكلات البيئية لتتميز سلوكياته بالسوية في حياته اليومية ، ويكون قادراً على نقل هذه السلوكيات إلى التلاميذ من خلال أدائه التعليمي عبر النشاطات التربوية المدرسية المتنوعة " ( السيد السايح ، 1994 ) .
والمتأمل للتعريفات السابقة يلحظ اتفاقاً في أن المكون المعرفي المتمثل في إدراك الفرد للمفاهيم والقضايا والمشكلات البيئية شرط أساسي من شروط التنور البيئي ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تمثل الاتجاهات الإيجابية نحو دراسة البيئة ومواردها ومشكلاتها بعداً مهماً يسهم في تشكيل السلوكيات المرغوبة نحو البيئة والتفاعل معها بإيجابية كما يمثل السلوك هنا جانباً مهماً لا يمكن التخلي عنه لوصف الفرد بالتنور البيئي ، وبناءً على ما تقدم أمكن تعريف التنور البيئي في هذه الدراسة بأنه " ذلك القدر من المفاهيم والمعلومات عن القضايا والمشكلات البيئية اللازم لاكتساب الطالب / المعلم للاتجاهات الإيجابية نحو دراسة البيئة والتفاعل معها ، مما يسهم في تشكيل سلوكه وتمكينه من التعرف على المشكلات البيئية وبحث وتتبع أسبابها ، واقتراح الحلول لهذه المشكلات " .
عناصر التنور البيئي :
يعد مفهوم التنور البيئي ( E.L ) من المفاهيم التي أثارت مناقشات واسعة بين التربويين على المستويين المحلي والعالمي ، غير أن هذه المناقشات قد أسفرت عن تحديد أكثر وضوحاً للمفهوم من خلال تحديد مكوناته ، والمتمثلة في الأبعاد والعناصر اللازمة للفرد بوصفه بالتنور .
ففي دراسة Engleson et al ( 1985) حدد ثلاثة أبعاد للتنور البيئي تتضمن المبادئ الأساسية حول بيئة الأرض ، وكذلك المبادئ التي تدور حول الإنسان بصفته أحد مكونات النظام البيئي . بالإضافة إلى الأنشطة الإنسانية التي تسهم في تحقيق بيئة أفضل ( Engleson et al ,1985 ) . بينما أقترح Roth (1992) مستويات ثلاثة للتنور البيئي يمكن اعتبارها عناصر له وتتمثل في :
1ـ التنور الاسمي Nominal Literacy : ويشير إلى القدرة على تعرف بعض المصطلحات الأساسية المستخدمة في الاتصال بالبيئة .
2ـ التنور الوظيفي Functional Literacy : ويشير إلى المعرفة اللازمة لفهم الطبيعة ، والتفاعل بين الإنسان والنظم الاجتماعية والنظم الطبيعية الأخرى .
3ـ التنور الإجرائي Operational Literacy : وهو مستوى أعمق من التنور الوظيفي ، ويرتكز على الفهم والمهارات . ( Roth , 1992 ) .
ويربط Disinger (1992) بين المستويات السابقة وبين خاصتين للتنور البيئي هما : أن التنور البيئي ضروري وحيوي للحفاظ على صحة النظم البيئية ، وأن التنور البيئي يمكن التعرف عليه في ضوء السلوك المُلاحظ ، وحدد ستة مستويات للتنور البيئي هي :
1ـ الحساسية البيئية . 2 ـ المعرفة . 3 ـ المهارات .
4ـ الاتجاهات . 5ـ الـقيـم . 6 ـ المسئولية الشخصية ( Disinger , 1992 ) .
أما فايز عبده وأبو السعود محمد ( 1993 ) فيحددان أربعة عناصر للتنور البيئي :
1ـ التنور بقضايا البيئة ومشكلاتها .
2ـ الإيمان بدور العلم والتكنولوجيا في حل المشكلات البيئية .
3ـ الإيمان بدور الاتجاهات المكونة لدى الأفراد في حل المشكلات البيئية .
4ـ السلوك البشري وتحسين نوعية الحياة . ( فايز عبده ، وأبو السعود محمد ، 1993) .
ويختلف Cumming ( 1994 ) في تصوره عن عناصر التنور البيئي ، ويرى أنها تشمل : تقدير الذات ، والقدرة على التعلم ، والقدرة على العمل في فريق ، والفاعلية ، والقدرة التنظيمية ( Cumming,1994) .
في حين حدد السيد السايح ( 1994 ) أربعة أبعاد للتنور البيئي لازمة للطالب / المعلم هي :
1- الإلمام بقدر مناسب من المعرفة البيئية .
2- تفهم المشكلات البيئية .
3- السلوك الشخصي المناسب نحو مشكلة بيئية .
4- الاتجاه الإيجابي نحو البيئة ( السيد السايح ، 1994 ) .
ويشير TODT ( 1995 ) إلى أهمية المعرفة والقيم والسلوك كمؤشرات للتنور البيئي ( TODT ,1995 )
بينما يقترح HSU ( 1997 ) تسعة عناصر للتنور البيئي هي :
|
1ـ المعرفة . |
2ـ الأثر البيئي |
3ـ الانتباه |
|
4ـ المهارة . |
5ـ معرفة المشكلات والقضايا البيئية |
6ـ المعرفة بعلم البيئة |
|
7ـ الحساسية البيئة |
8 ـ المسئولية البيئية |
9ـ الاتجاهات البيئية (HSU,1997 ) . |
من العرض السابق يتبين اتفاق معظم الآراء على عدة عناصر للتنور البيئي وهي المعرفة وتشمل الفهم للقضايا والمشكلات البيئية ، وكذلك الاتجاهات نحو علم البيئة ، ونحو البيئية ومواردها الطبيعية ومشكلاتها بالإضافة إلى المهارات والمتمثلة في السلوك الإيجابي من خلال التفاعل مع البيئة . وفي ضوء ذلك تحددت عناصر التنور البيئي في الدراسة الحالية في خمسة عناصر تمثل القدر اللازم من التنور البيئي للطالب / المعلم هي :
1- الإلمام بالمفاهيم البيئية .
2- الوعي بالقضايا والمشكلات البيئية .
3- دور السلوك الإنساني في صيانة البيئة .
4- الاتجاه الإيجابي نحو دراسة البيئة .











05 فبراير, 2006 10:04 ص