ملخصات رسائل دكتوراه

موقع علمي أعده د./ محسن فراج لخدمة الباحثين والعاملين في الميدان ويهتم الموقع بنشر الأفكار والبحوث والرسائل وكل ماهو جديد في التربية العلمية وتعليم العلوم

المدخل الجمالي

المدخل الجمالي في التربية العلمية

Aesthetic Approach in Science Education 

   

الأستاذ الدكتور/ صابر سليم                      الدكتور / محسن فراج  

 ---------------------------------------------

مــقـدمـــــة:

        لم تلاقي التربية العلمية في تاريخ البشرية اهتماماً قدر ما تلاقيه في الوقت الراهن في المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية، وقد تعددت مسارات هذه المجتمعات في معالجة وإدارة التربية العلمية. لذلك لا يمكن القول أن هناك مجتمعاً مهما كان تقدمه انه وصل للمستوى المطلوب من التربية العلمية لمواطنيه ، وربما كان الدليل على ذلك ما ينشر بين الحين والحين من كتب لكبار المفكرين ورؤساء الدول ينبهون من خطورة تدنى مستويات المواطن في القدر اللازم له من التربية العلمية لكي يعيش هذا العصر بكل ما يحمله من تغيرات متسارعة ومتغيرات متعددة تفرض على المسئولين عن تربية المواطن وتربيته العلمية بصفة خاصة بذل ما في وسعهم لملاحقة المتغيرات والتطورات العلمية التي تتدخل في الحياة اليومية لكل مواطن.

والتربية العلمية تعنى فهم للمبادئ الهامة والنظريات الحيوية في العلم فهماً وظيفياً يساعد المواطن على الفهم الذكي للبيئة التي يعيش فيها بأوسع معانيها، وللمجتمع الذي ينتمي إليه والمشاكل التي تعترضه. فبدون التربية العلمية لا يستطيع المواطن أن يتابع الكثير من التطورات التي تحدث والقضايا المحلية والدولية التي تثار.

وقد اهتم عدد من المفكرين في مجال التربية العلمية في مختلف بلاد العالم بالعمل على تيسير وتسريع التربية العلمية للمواطن، فقدموا العديد من الطرق والوسائل والمداخل التي تحقق ذلك، ولربما كانت الطفرة الأولى في هذا المجال في منتصف القرن الماضي عندما كانت القوتان المهيمنتان تتنافسان على ارتياد الفضاء والتقدم بالعلم والتكنولوجيا مما يمكن الإنسان من الإفلات من جاذبية الكوكب الذي يعيش عليه ليرتاد عوالم أخرى كانت مجهولة له من قبل ولا يتسع المقام هنا للاستفاضة في عرض المجهودات التي بذلت والنتائج التي تحققت في هذا المجال وهى بطبيعة الحال واضحة لكل المهتمين بالتربية العلمية والمتتبعين لخطواتها عالمياً وإقليمياً ومحلياً.

 مداخل متعددة للتربية العلمية

       تعددت المداخل والاتجاهات الحديثة التي فرضت نفسها على مناهج العلوم وتدريسها بمراحل التعليم العام لمقابلة التطورات المتسارعة والتغيرات المتوقعة من خلال التأكيد على متطلبات الحياة اليومية والاهتمام بإعداد المواطن، ولعل من أبرز هذه المداخل ما يلــــــي:

1- المدخل المفهومي Conceptual Approach :

      وينطلق هذا المدخل من أهمية المفاهيم في تصنيف الظواهر المتعددة وما تقدمه من وظيفة اقتصادية في مجال تصنيف المعرفة العلمية وتنظيمها وتعلمها، فالمفاهيم مجردات تنظم عالم الأشياء والأحداث والظواهر المختلفة والمتعددة في عدد صغير من الأقسام في مراتب متسلسلة بحيث يمكن لعدد محدد نسبياً من المفاهيم العلمية الكبرى أن يتضمن قدراً كبيراً من المعرفة العلمية. واستخدام المفاهيم الكبرى كمحور لبناء مناهج العلوم يحافظ على وحدة بنية العلم ، ويعاون الطلاب على إدراك أهمية العلم ودورة في حياتهم، كذلك فهو يمنع التكرار الذي قد ينشأ عند دراسة الموضوعات والحقائق بشكل منفصل وعلى هذا الأساس فإن الطلاب يمكنهم تعلم المفاهيم واستخدامها مهما كانت درجة تجريدها.

والجدير بالذكر أن هذا المدخل يؤكد بالدرجة الأولى على التركيب البنائي المنطقي للعلم بما فيه من مستويات متعددة لتوضيح هذا البناء؛ إلا انه يؤخذ عليه انه لم يلق كثير بال للعلم ووظائفه الاجتماعية وعلاقته التأثيرية التأثرية في المجتمع وبخاصة التأكيد على أن العلم ليس فقط بناء معرفي بل هو قبل ذلك أسلوب للتفكير ومواجهة وحل المشكلات التي تواجه المواطن في مختلف مواقف الحياة اليومية.

 2- المدخل البيئي Environmental Approach :

      حظيت البيئة في منتصف القرن الماضي باهتمام عدد من المفكرين والفلاسفة لتوضيح موقع الإنسان من النظم البيئية وتأثيراته السلبية عليها وما يتوقع                                 له من مستقبل مظلم إذا لم يرشد ويحسن علاقته                                                                                                                                                                              بمختلف عناصر البيئة، ورأى هؤلاء الفلاسفة أن من أهم وسائل تحقيق ذلك الاهتمام بنظم التعليم والإعلام التي تعالج قضايا البيئة ومشكلاتها هو محاولة تلافي حدوث هذه المشكلات.

ولما كانت العلوم من اقرب المواد لمعالجة مشكلات البيئة، وفي إطار الاهتمام- في ذلك الوقت- بإدخال التكامل ضمن محتوى مناهج العلوم باعتبار أن البيئة بمختلف عناصرها كائن متكامل، فقد اقترح مخططو برامج التربية العلمية المدخل البيئي سعياً لتحقيق التكامل الذي ييسر فهم الظواهر العلمية وتأكيدها عند المتعلم ومن هنا بدأ تبني المدخل البيئي كاتجاه لبناء مناهج العلوم، وبخاصة في المراحل الأولى من التعليم؛ رغم انه ثبت فعاليتها في العديد من البرامج على مستوى التعليم العالي والجامعي. وتسعى المناهج التي تبنى في ضوء هذا المدخل إلي تحقيق أهداف التربية البيئية من خلال التأكيد على النشاط والتطبيق العملي للمعارف المتصلة بالبيئة وإتاحة الفرص أمام الطلاب لدراسة النظام البيئي بما يسهم في تنمية الاتجاهات والمفاهيم والمهارات والقدرات اللازمة للطلاب للتعامل الرشيد مع البيئة ومواردها، وهذا ما دعا كثير من المربين والمتخصصين إلي بناء المناهج التي ترتكز أساسا على دراسة البيئة المحلية.

وقد استخدم المدخل البيئي في كثير من المناهج على المستويين العالمي والإقليمي، إلا أن بعض المسئولين عن المناهج وقعوا في شَرك الاهتمام بالبناء العلمي بدلاً من تأكيد وظيفية العلم في مواجهة المشاكل اليومية للإنسان وبيئته.

 3- مدخل العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والمجتمعScience& Technology and Society-  Approach  :

      يعد هذا المدخل أحد الاتجاهات التي اهتمت بتطوير التربية العلمية واستخدم هذا المدخل كاتجاه لبناء وتطوير مناهج العلوم من خلال إبراز التطبيقات العلمية والتكنولوجية والدور الوظيفي لها في المجتمع بهدف مساعدة الطلاب على توظيف المفاهيم العلمية والتكنولوجية في حل المشكلات اليومية واتخاذ القرارات السليمة في مواجهة مواقف الحياة المختلفة.

وإدراك حدود كل من العلم والتكنولوجيا ومظاهر السعي الإنساني الأخرى في المجتمع وتوضيح الدور الفعال للعلم في مختلف المجالات وإسهاماته وتأثيره المباشر في حياة الإنسان.

وقد أجريت العديد من الدراسات والبحوث في مجال بناء وتطوير وتقويم هذا المدخل، اتضح منها أن المناهج في ظل هذا المدخل قد أكدت بدرجة ملموسة على البناء المنطقي للعلم بالدرجة الأولى، ثم التطبيقات العلمية والتكنولوجية ودورها في المجتمع بدرجة لا تعادل هذا الاهتمام.

 4- التنور العلمي غاية للتربية العلمية Scientific Literacy :

مع التقدم الهائل في مجالات العلم والتكنولوجيا بات من الضروري أن يمتلك كل شخص يقدر له التعامل مع مجالات الحياة المختلفة أن يلم بقدر من المعرفة العلمية ويمتلك قدراً مناسبا من المهارات لكي يتمكن من التفاعل الجيد مع المناشط المتنوعة وقد انعكست التطورات الحادثة على المستوى العالمي على أهداف  التربية العلمية وتدريس العلوم بدرجة اصبح معها التنور العلمي هدفاً رئيسياً لتدريس العلوم ومن ثم جرت محاولات عدة لتطوير مناهج العلوم في مختلف المراحل التعليمية أملا في تحقيق التنور العلمي لدى الطلاب كجزء حيوي وأساسي لإعدادهم للمواطنة؛ إذ أن المواطن العادي الذي لن يتخذ بالضرورة العلم ميداناً للتخصص ولا المهن العلمية عملاً للاشتغال، هذا المواطن أصبحت تربيته وإعداده للمشاركة المثمرة في حياة المجتمع لا تكتمل بدون التنور العلمي.

 

ومع تعدد مداخل تطوير التربية العلمية وتفعيل دورها إلا انه عند تطبيق هذه المداخل وجد أنها تتداخل في كثير من الأحوال بقصد وغير قصد، فعند بناء منهج للعلوم في ضوء المدخل المفهومي لا يمكن تنفيذ ذلك المنهج بمعزل عن المداخل الأخرى كالمدخل البيئي أو مدخل العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع.

 

  معوقات تواجه التربية العلمية

      على الرغم من تعدد مداخل التربية العلمية وتجريبها وانتشارها وبعض النجاحات التي تحققت نتيجة لذلك، فإن النظرة السائدة بين عدد كبير من الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين أن العلم مسار معقد وصعب.

ولقد كشفت نتائج العديد من الدراسات التقويمية لواقع تدريس العلوم إلي أن تدريس العلوم لا يزال يركز جل اهتمامه بإكساب الطلاب للمعرفة العلمية والتي تتسم في الغالب بصعوبة وجفاف محتواها، وغالباً ما لا ترتبط بحياتهم ومشكلاتهم الحقيقية حتى أصبحت هذه المعرفة هدفأً أساسيا في حد ذاتها.

وقد ترتب على ذلك عزوف الطلاب عن دراسة العلوم بدرجات متفاوتة حسب طبيعة كل علم منها، فقد أكدت نتائج عدد ليس قليل من هذه الدراسات أن كثير من الطلاب عازفون عن دراسة الفيزياء والرياضيات بدرجة تفوق عزوفهم عن دراسة الفروع الأخرى للعلم.

وتجدر الإشارة إلي أهمية إدراك أن العلم بتنظيماته المعروفةScience As Discipline  لا يهم المواطن العادي بالدرجة الأولى، رغم أهميته لمن يتعاطى العلم ويمتهنه في مراحل تخصصيه تالية.

المدخل الجمالي : محاولة لجعل التربية العلمية ممتعة

      لما كانت نظرة الطلاب للعلم ودراسة العلوم أدت بهم للعزوف عن دراستها فذلك يحتم على رجال التربية العلمية بذل الجهود لمساعدة الطلاب في مراحل التعليم العام لتغيير هذه النظرة بل ومساعدتهم على الاستمتاع بدراسة العلم والاستفادة من منجزاته التي تتدخل في حياتنا اليومية ونتعرض لها مرات عديدة في مختلف مواقف الحياة، فالعلم كمسار للفكر البشرى واكتشاف هذا المسار به الكثير من نواحى الجمال التي لا تمسها مناهج العلوم في الوقت الحاضر. ويمكن أن تكون دراسة العلوم والظواهر الطبيعية مثيرة للاستمتاع باستخدام المدخل الجمالي الذي يسعى إلي تحقيق ذلك.

والمدخل الجمالي Aesthetic Approach  هو " اقتراح لبناء وتنفيذ مناهج العلوم بما يحقق أهداف التربية العلمية ويؤدى في نفس الوقت إلي الاستمتاع بالجوانب الجمالية والفنية في مختلف مسارات العلم  وظواهره بما لا يخل بالنواحي الموضوعية والعمليات التي تميز العلم ويحقق بالإضافة إلي ذلك تأكيد الجوانب الوجدانية ونواحي التقدير المتعددة التي كثيراً ما أهملت على الرغم من أهميتها".

للمزيد حول هذا الموضوع يمكنك مراسلتي علي البريد الاليكتروني dr_mhf@yahoo.com


الموقع يرحب بمشاركتكم الجادة والمتميزة سواء بملخصات بحوث أو بمناقشات أو إضافة أفكار تثري المجال لكل من يرتاد الموقع من الباحثين ولكم موفور التحية والشكر سلفا دكتور/محسن فراج